ناجي الغزي/كاتب وسياسي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الخيارات السياسية بميزان الرغبات ولا تُحسم وفق منطق المجاملات، بل تُفرَض بميزان الوقائع وتعقيدات المرحلة. والعراق اليوم يقف عند مفترق استراتيجي بالغ الحساسية، حيث تتشابك الضغوط الإقليمية، وتتسارع التحوّلات الدولية، وتُختبر قدرة النظام السياسي على إنتاج قيادة تمتلك الخبرة والصلابة والقدرة على إدارة الأزمات.
ضمن هذا السياق، تشير المعطيات الميدانية داخل الإطار التنسيقي بوضوح إلى أن الكتلة الغالبة تميل إلى اعتبار السيد نوري المالكي رجل المرحلة المقبلة. هذا الميل لا يُمثّل نزوة سياسية، ولا هو نتاج حملات إعلامية عابرة، بل يعكس تراكماً من القناعات المبنية على التجربة، والوزن البرلماني، والقدرة التنظيمية، وفهم تعقيدات الحكم في بيئة إقليمية مضطربة.
*الديمقراطية هي القبول بقواعد اللعبة*
الديمقراطية، في جوهرها، لا تعني التطابق في الرؤى، بل تعني الاحتكام إلى آليات التمثيل، والقبول بنتائج التفاهمات والتحالفات داخل الأطر الدستورية. وحين ترجح كفة خيار معيّن داخل المؤسسات السياسية، فإن ذلك يُعدّ تعبيراً طبيعياً عن إرادة الأغلبية، لا انحرافاً عن المسار الديمقراطي.
من هنا، فإن ترجيح المالكي داخل الإطار لا يُمكن اختزاله في خطاب دعائي، بل هو نتاج توازنات سياسية واقعية، ترى فيه قيادة قادرة على التعامل مع ملفات الأمن، والسيادة، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية، في مرحلة لا تحتمل الارتجال ولا الحسابات الضيقة.
*المرجعية: ترسيخ الاستقلال لا الانحياز*
أما فيما يخص موقف المرجعية الرشيدة، فالمؤشرات تدل وفق قراءة متأنية، على اختيارها النأي بنفسها عن التدخل المباشر في تفاصيل هذا الاستحقاق السياسي. هذا الموقف لا يعني الحياد السلبي، بل يعكس توجهاً واعياً لترسيخ استقلالية العملية الديمقراطية، وإعادة المسؤولية كاملة إلى القوى السياسية والناخبين.
فالمرجعية، بهذا النهج، تؤكد أن الحكم يجب أن يكون نتاج تفاعلات سياسية داخلية، لا قرارات وصائية، مهما كانت مكانة من يصدرها. وهو ما يُسهم في بناء تجربة ديمقراطية أكثر نضجاً، تُدار فيها الخلافات داخل الأطر الدستورية، ويُحتكم فيها إلى صناديق الاقتراع والتمثيل البرلماني.
*فشل حملات التشويش الإعلامي*
بعد أن أفلست الأقلام المأجورة في محاولات تشتيت الرأي العام عن التأييد الواسع لترشيح المالكي، عاد الخطاب نفسه بأخبار مضللة تزعم أن الإطار لم يحسم خياره. غير أن الواقع السياسي داخل غرف القرار يُناقض هذه الروايات، ويؤكد أن مسار الحسم يتقدم بثبات، بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
هذه الحملات لا تعبّر عن قراءة سياسية بقدر ما تعكس قلقاً من فقدان النفوذ، ومحاولة يائسة لإعادة خلط الأوراق في لحظة تتطلب وضوحاً لا تشويشاً.
*الظرف الإقليمي لا يحتمل الترف السياسي*
المنطقة تعيش تحوّلات عميقة. صراعات مفتوحة، وإعادة رسم نفوذ، وضغوط اقتصادية، وملفات سيادية شائكة. في مثل هذا المناخ، يصبح الترف السياسي عبئاً، وتغدو الحسابات الشخصية رفاهية لا يملكها بلد بحجم تحديات العراق.
من يفهم طبيعة المرحلة وتعقيداتها يدرك أن الانضمام إلى مسار المالكي ليس خياراً عاطفياً، بل قراءة عقلانية لمعادلات القوة والاستقرار. أما من يتخلّف، فإنه يختار العزلة السياسية بإرادته، ويضع نفسه خارج سياق الفعل المؤثر.
واللافت أن كثيراً من المعترضين أو المتحفظين، بدافع العقلانية السياسية، سيُعيدون مراجعة مواقفهم عندما تتضح صورة المشهد كاملة، لأن السياسة في النهاية ليست موقفاً ثابتاً، بل قراءة متحركة للواقع.
